علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

188

ثمرات الأوراق

المسافر ، فقبضت الأربعين ألفا ، وودّعته ، وخرجت من مدينة حرّان بين يديّ أحمال . ثم تلقّاني الرّجال وأصحاب الحديث منهم ؛ أحمد بن حنبل وسفيان بن عيينة والأوزاعيّ ، فأجزت كلّ واحد منهم على قدر ما قسم له ، حتّى دخلت مدينة الرّملة وليس معي إلّا عشرة دنانير ، فاشتريت بها راحلة واستويت على كورها ، وقصدت الحجاز فما زلت من منهل إلى منهل حتى وصلت إلى مدينة النّبي صلى اللّه عليه وسلم بعد سبعة وعشرين يوما بعد صلاة العصر ، فصلّيت العصر ، ورأيت كرسيّا من الحديد عليه مخدّة من قباطيّ مصر مكتوب عليها : « لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم » . قال الشافعيّ رضي اللّه عنه : وحوله أربعمائة دفتر أو تزيد ، وبينما أنا كذلك إذ رأيت مالك بن أنس رضي اللّه عنه قد دخل من باب النّبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقد فاح عطره في المسجد ، وحوله أربعمائة أو يزيدون ، يحمل ذيوله منهم أربعة . فلمّا وصل ؛ قام إليه من كان قاعدا ، وجلس على الكرسي فألقى مسألة في جراح العمد . فلمّا سمعت ذلك لم يسعني الصّبر ، فقمت قائما في سور الحلقة ، فرأيت إنسانا ، فقلت له : قل الجواب كذا وكذا ، فبادر بالجواب قبل فراغ مالك من السّؤال . فأضرب عنه مالك وأقبل على أصحابه فسألهم عن الجواب ، فخالفوه ، فقال لهم : أخطأتم وأصاب الرّجل . ففرح الجاهل بإصابته فلمّا ألقى السؤال الثاني ، أقبل عليّ الجاهل يطلب منّي الجواب ، فقلت له : الجواب كذا وكذا . فبادر بالجواب ، فلم يلتفت إليه مالك ، وأقبل على أصحابه واستخبرهم عن الجواب فخالفوه ، فقال لهم : أخطأتم وأصاب الرّجل . قال الشّافعيّ رضي اللّه عنه : فلمّا ألقى السّؤال الثالث قلت له : قل الجواب كذا وكذا . فبادر بالجواب ، فأعرض مالك عنه ، وأقبل على أصحابه فخالفوه فقال : أخطأتم وأصاب الرّجل . ثم قال للرّجل : ادخل ليس ذلك موضعك . فدخل الرّجل طاعة منه لمالك ، وجلس بين يديه فقال له مالك فراسة : قرأت الموطّأ ؟ قال : لا ، قال : فنظرت ابن جريج ؟ قال : لا ، قال : فلقيت جعفر بن محمد الصّادق ؟ قال : لا ، قال : فهذا العلم من أين ؟ قال : إلى جانبي غلام شابّ يقول لي قل : الجواب كذا وكذا ، فكنت أقول . قال : فالتفت مالك ، والتفت النّاس بأعناقهم لالتفات مالك رضي اللّه عنه ، فقال للجاهل : قم فأمر صاحبك بالدخول إلينا . قال الشافعيّ رضي اللّه عنه : فدخلت فإذا أنا من مالك بالموضع الذي كان الجاهل فيه جالسا بين يديه ، فتأمّلني ساعة ، وقال : أنت الشّافعيّ ! فقلت : نعم فضمّني إلى صدره ، ونزل عن كرسيّه . وقال : أتمم هذا الباب الذي نحن فيه حتّى ننصرف إلى المنزل الذي هو لك المنسوب إليّ . قال الشافعي رضي اللّه عنه : فألقيت أربعمائة مسألة في جراح العمد فما أجابني